ابن أبي الحديد
123
شرح نهج البلاغة
بعض ، ولئن كنا قد غلبنا على عقولنا لقد بقي لنا منها ما نندم به على ما مضى ، ونصلح به ما بقي ، وقد كنت سألتك الشام على أن تلزمني لك بيعة وطاعة ، فأبيت ذلك علي ، فأعطاني الله ما منعت ، وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس ، فإني لا أرجو من البقاء إلا ما ترجو ، ولا أخاف من الموت إلا ما تخاف ، وقد والله فارقت الأجناد ، وذهبت الرجال ، ونحن بنو عبد مناف ، ليس لبعضنا على بعض فضل إلا فضل لا يستذل به عزيز ، ولا يسترق به حر ، والسلام . فلما انتهى كتاب معاوية إلى علي عليه السلام قرأه ، ثم قال : العجب لمعاوية وكتابه ! ( 1 ودعا عبيد بن أبي رافع كاتبه ، فقال : أكتب جوابه 1 ) . أما بعد ، فقد جاءني كتابك تذكر أنك لو علمت وعلمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض ، فإني لو قتلت في ذات الله ، وحييت ، ثم قتلت ثم حييت سبعين مرة لم أرجع عن الشدة في ذات الله والجهاد لأعداء الله ، وأما قولك : إنه قد بقي من عقولنا ما نندم به على ما مضى ، فإني ما نقصت عقلي ، ولا ندمت على فعلي . وأما طلبك الشام فإني لم أكن أعطيك اليوم ما منعتك أمس ، وأما استواؤنا في الخوف والرجاء فلست أمضى على الشك منى على اليقين ، وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة . وأما قولك : إنا بنو عبد مناف ليس لبعضنا فضل على بعض ! فلعمري إنا بنو أب واحد ، ولكن ليس أمية كهاشم ، ولا حرب كعبد المطلب ، ولا المهاجر كالطليق ، ولا المحق كالمبطل ، وفي أيدينا بعد فضل النبوة التي أذللنا بها العزيز وأعززنا بها الذليل . والسلام . فلما أتى معاوية كتاب علي عليه السلام كتمه عن عمرو بن العاص أياما ، ثم دعاه
--> ( 1 - 1 ) صفين : " ثم دعا عبيد الله بن أبي رافع كاتبه ، فقال : اكتب إلى معاوية " .